القاضي عبد الجبار الهمذاني
187
المغني في أبواب التوحيد والعدل
العادة لم تجر بأن يحدث ذلك ابتداء من اللّه تعالى ، ولا جرت العادة بأن ينقل ذلك ، إلى المدعى للنبوّة ، على الحدّ الّذي نقل إلى النبىّ صلى اللّه عليه وسلم ، فقد صار الاختصاص بالنقل ، كالاختصاص بالحدوث ، وإن كان في أحد الوجهين لا بدّ من أن يكون تعالى أحدثه تصديقا ، وفي الوجه الآخر أحدثه للتصديق في المستقبل ، وقصد التصديق بالنقل إليه ، وإن كان ذلك النقل قد يختلف ؛ فقد يكون من فعله تعالى ، وقد يكون واقعا من الملك بأمره ؛ والتخلية والأمر في هذا الباب يقومان مقام تولى الفعل ؛ لأن العادة لم تجر بالجميع ، على حدّ واحد ؛ ولو أن مدّعى النبوّة جعل دلالة نبوّته أن يأمر بعض القادرين بأن ينقل الجبال ، فوقع ذلك لكان بمنزلة أن ينقل هو الجبال ، أو ينقل اللّه تعالى عند ادّعائه ذلك ، لأن الجميع قد اشترك في أنه نقض عادة ؛ لأنه لم تجر العادة أن يتمكن أحدنا من نقل ذلك بغيره ، كما لم تجر العادة بأن يتولى نقله بنفسه ، أو يحصل مراده من ذلك بمسألته تعالى وفعله ، فأي واحد من ذلك حصل فقد قام مقام الآخر ، فلو كان نقل الملك القرآن ، إلى النبىّ ، عليه السلام ، يطعن في كونه معجزا ، من حيث يجوز في الملك أن يكون نقله استفسادا ، أو من حيث لم يكن ذلك من قبله تعالى ، لوجب إذا حصل عند ادعائه نقل الجبال الراسيات ، أن يجوز مثل ذلك فيه ، فإذا وجب وقع ذلك بأن يقال : إن طاعة الملك له كفعله ، وفعل اللّه عز وجل عند دعائه ، في أن الكل نقض عادة ، فلم تختلف دلالته ؛ فكذلك القول فيما ذكرناه ، من حال القرآن ، وهذه الجملة تبطل قول من يسأل فيقول : لو أن هذا القرآن حفظه عن الرسول بعضهم ، ونقله إلى موضع شاسع ، في هذا الوقت ، أو في زمانه عليه السلام ، قبل انتشار الدعوة ؛ وادّعى النبوّة وجعله دلالة ، ما الّذي كان يجب على سامعه ؟ فإن قلتم : التصديق ، فقد أوجبتم تصديق الكذاب ، وإن قلتم : التكذيب ، وحاله